مسلسل عنترة


مسلسل “عنترة” الذي تم إنتاجه عام 2007 من شركة المها الكويتية.

سيناريو “عنترة” أعاد كتابته غسان زكريا بالتعاون مع ثائر العكل، الذي لم يُذكر اسمه في الشارة، أما الحلقات الأخيرة من المسلسل فقد تابع كتابتها محمد الجعفوري.

ولعله من المفيد اليوم الوقوف بهدوء على بعض جوانب العمل ونحن نستعد لموسم درامي يعج بأعمال السيرة، خاصةً وأننا نعلم مسبقاً أن هذه الأعمال ستلقى لاحقاً نصيبها الكبير من النقاش والجدل الإعلامي الواسع، ولن يكون هذا الجدل بصدد تقييم مستواها الفني بقدر ما سيكون تعبيراً عن حساسية الشخصيات التي تُجسد في الدراما التلفزيونية.

بدايةً لقد قدم المخرج رامي حنا في تجربته الإخراجية الأولى مقترحات بصرية جديدة، نسبةً إلى العام الذي أُنتج فيه العمل، مقترباً بلقطاته البعيدة في كثيرٍ من الأحيان من سمات اللقطة السينمائية، ومستفيداً أيضاً من الإمكانيات الغرافيكية التي أضافت كثيراً لجماليات الصورة، ووظفت في خدمة المعاني الدرامية، ومنها التعبير عن مرور الزمن دون إقحام أو استعراض مجاني على حساب الصورة أو الحدث.

أما إذا راجعنا الانتقادات العديدة التي وجهت إلى المسلسل بعيد عرضه، فإننا نجد أن معظمها انبثق من خيار الكاتب والمخرج في السعي وراء ما هو دقيق وصحيح تاريخياً، بعيداً عن الإضافات الأسطورية الموجودة في السيرة الشعبية، ونتيجة محاولة الاثنين مراعاة الصحة التاريخية كان من الطبيعي وقوع العمل تحت كم من الانتقادات التي اتهمته بالمغالطات التاريخية، وسواء تناولت هذه المغالطات علاقة “نعمان بن المنذر” بالصراع بين قبيلتي “بني عبس” و”بني ذبيان”، أو طريقة التناول التاريخي لظاهرة الشعراء الصعاليك التي كانت منتشرة في تلك الفترة، أو طريقة تناول المسلسل لعلاقة “عنترة” بـ “عبلة”، وما إلى هنالك من مقارنة بين التاريخ والدراما في حجم الشخصيات ودورها ونهاياتها.

تبقى هذه الانتقادات منطقية ومشروعة ليس من زاوية وقوع العمل في أخطاء تاريخية، وإنما من زاوية وجود وجهات نظر متعددة لتاريخ “عنترة” نفسه، ابتداءً من وجهة نظر المؤيدين لبطولة عنترة والمتمثلة بالسيرة الشعبية له، والذين يعتبرونه فارساً وشاعراً لن يكرره التاريخ.

وطالما أن صانعي العمل سلكوا خيار الدقة التاريخية، فكان عليهم أن يجابهوا وابلاً من المناقشات التاريخية حول المعطيات التاريخية عن ذلك العصر، وإن اتجه هذا النقاش في كثيرٍ من الأحيان بعيداً عن تفاصيل العمل الفنية.

ولكن، من جانبٍ آخر، إن تمعنا جيداً في نتيجة الخيار التوثيقي الذي حاول انتهاجه العمل، نجد أن المسلسل قد خسر كنزه الثمين الذي لا يُضاهى بثمن عندما تخلى عن السمات الأسطورية لسيرة عنترة، والتي كان من الممكن أن تكون عناصر درامية مغرية جداً في القصة، وعلى الأغلب كانت ستكسبها تشويقاً وجماهيريةً لا مثيل لها.

وعلى الرغم من يقيننا بأن سلخ القصة عن محركاتها الدرامية هو أمر بات متكرراً في أعمال السيرة التي تحاول الاقتراب قدر الإمكان من الحقائق التاريخية على حساب الحكاية الدرامية وقواعدها، ولكن هذه النقطة بحد ذاتها تعتبر خطأً جسيماً يقلل من جاذبية العمل الدرامي، وذلك عندما يحاول المسلسل التلفزيوني القيام بمهام الفيلم الوثائقي في سعيه الأعمى نحو الأقرب إلى الحقيقة، مضيفاً إلى نفسه مهمةً أخرى ليست من اختصاصه، ناهيك عن المهام السينمائية والمسرحية التي حاولت الدراما السورية في السنوات الأخيرة إقحامها عنوةً في مضامينها (التلفزيونية)، لتتحول أعمال السيرة في النهاية إلى أعمال بطيئة غير مشوقة.

وفي الأعوام القليلة الماضية، شاهدنا أعمال سيرة حملت تشويقاً كبيراً في عناوينها التي سميت بأسماء شخصيات درامية من الطراز الأول، ولكنها خذلتنا عندما تابعنا حلقاتها التي حاولت دائماً ملاطفة ما هو متفق عليه تاريخياً، مضيّقةً المساحة المعطاة للمخرج والكاتب والممثل للتعبير عن رؤيتهم الفنية والفكرية لهذه الشخصيات.

وولعل هذه الأسباب نفسها هي التي جعلتنا نسمع صيت “عنترة” في العمل، سواءً في الشعر أو الفروسية دون أن نراه حقيقةً ضمن الفعل الدرامي، فاحتقار السيرة الشعبية واعتبارها مجرد إضافة من العامة الذين مروا في التاريخ حوّل عنترة في المسلسل إلى مجرد مستمع وشاهد على الخلاف المتطور بين قبيلته وقبيلة “بني ذبيان”، ليكون العمل في النهاية راوياً لسيرة “بني عبس”، كما ضلّ غايته عن سيرة عنترة، وكأن كل تفاصيل العمل تتجه بنا، بتطوراتها، نحو حرب “الداحس والغبراء” متجاهلةً محور الحكاية المتجسدة في شخصية عنترة، وليقع العمل في خطأ أكبر عندما سلط الضوء على بيئة البطل وزمنه المعاصر أكثر من تناوله البطل نفسه، فشعر المشاهد طوال الوقت بأن الكاتب والمخرج يمهدون عبر البيئة للظهور الدرامي الكبير لشخصية عنترة، لكن المشاهد يكتشف لاحقاً أنه تابع ثماني وعشرين حلقة دون أن يشاهد هذا الصعود، ويصل أخيراً بأنه شاهد بحثاً تاريخياً وليس عملاً درامياً.

من الغريب أيضاً أننا في الوقت الذي نرى فيه الدراما الغربية تلهث في بحثها عن شخصيات أسطورية تُشعل بها قلوب المتفرجين، من “سوبر مان” مروراً بـ “باتمان” و”سبايدر مان” وانتهاءً بالشخصيات التي تحمل جانباً تاريخياً حقيقياً توّلف عليه بعض الفنتازيا لتحقيق عملٍ جذاب، نرى أنفسنا نجرد رموزنا التاريخية من السحر الدرامي التي تحمله السيرة الشعبية، وتنطفئ في النهاية رغبة المتفرجين في المتابعة، بعد أن ظنوا، مخطئين، أن هذه الأعمال ستحمل لهم استعادةً تجسيدية لأبطال التاريخ الذين أحبوهم بغض النظر عما يحمله هؤلاء الأبطال من حقيقةٍ أو مبالغة.

و نحن نريد تنبيه صناع دراما السيرة الذين يعملون على نصوصهم اليوم، بأن ما يقدمونه هو عمل درامي بالدرجة الأولى وليس فيلماً وثائقياً، فنحن، وإن طالبناهم بالمصداقية في العمل، فهذا لا يعني أننا نريد دفن الشرارة الدرامية التي تحملها السيرة والتي نحمل كثيراً من المشاعر المسبقة تجاهها، لأننا بحاجة لمشاهدة رؤية فنية وفكرية من مبدعي الدراما للشخصيات التي يتحدثون عنها، بدلاً من معاينة سرد تاريخي جاف لا يقدم للدراما غايتها الأساسية في الإمتاع.