غزوة ابرهة الحبشي


غزوة ابرهة الاشرم وقعت قبل مولد رسول الله عليه الصلاة والسلام بشهور قليلة، ووقعت بها 3 معارك اولها معركة هرجاب التي هزم بها ابرهة، والثانية معركة تربة والثالثة معركة الحرم

قصة ابرهة تبدأ قبل عَام الْفِيل بـ 23 سنة، حين غَزَا الْأَحْبَاش (جنوب اليمن) وكان أول من تَصَدَّى لهم الملك اليهودي ذو نُوَاس، حيث قَاتَلَهُمْ في معركة كبيرة، انتصرَ فيها الْأَحْبَاش، وواصلوا تقدمهم حتى دَخَلُوا صنعاء فسبوا النساء اليهوديات و أَرْسَلُوهُنَّ الى الحَبَشَة.

 وكان أَرْيَاط هو الأمير وأَبْرَهَة وزيره، وابو جهل ابن مقصود من أَعْيَانِهِمْ وهو الذي تَكَفَّلَ ببناء كنيسة الْقُلَّيْس.

ابرهة

توفي ذو نُوَاس فاعتلى سيف بن ذي يَزَنَ العرش، وظل يُقاتِل الْأَحْبَاش لعدة سنوات لكنه لم يستطيع اجلائهم عن اليمن، فَاسْتَغَاث بمَلِك السَّرَاة كُلَيْب أن يَطرُد الْأَحْبَاش من اليمن.

فاستجاب كُلَيْب و خَرَجَ على رأس الجيش مُتَوَجِّهًا الى صنعاء، فدَنَا مِنْ قَصْر أَرْيَاط و حَاصَرَه، وكان الحارث بن عَبّاد اليَشكِري من قُوَّاد الجيش وفيهم الزير سالم، فاشتبكوا مع جند أَرْيَاط ، وقَتَلُوا من الْأَحْبَاش مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ (اكثر من 8 الاف) و تَسَلَّق كُلَيْب اسوار القصر و انفرد بأَرْيَاط و تَبَارَزَ معه فَقَتَلَه، ثم رأى أَبْرَهَة يَفِرُّ من القصر و خَلْفَهُ غُلَامَهُ عَتّوْدّة، فصَوَّب كُلَيْب السَّهْم فَضَرَبَ أَبْرَهَة يريد قَتْلَه، فَوَقَعَ السَّهْم على شِفَّةَ أَبْرَهَة (وبذلك لُقِّبَ بالأشرمْ).

كليب

هَرَبَ فُلُول الْأَحْبَاش وركبوا السفن، و دَخَلُوا على النجاشي و أَخْبَرُوهُ عَنْ الْهَزِيمَة التي لَحِقَتْ بِهِمْ. و كانَ من بين الْأَحَادِيثْ التي اِنْتَشَرَتْ في الحَبَشَة ان الحارث بن عَبّاد اليَشكِري يَسْتَمِدّ قُوَّتِه من الجن.

و في اليمن أرسل كليب الى النجاشي يطلب منه فِدَاء الاسرى، فأرسل النجاشي الفِدَاء، فأرسلهم كليب إلى الحَبَشَة.

دخل أَبْرَهَة على النجاشي، و طلب منه العفو، فأمر النجاشي بضرب أَبْرَهَة، فأخذوه وصلبوه وضربوه، حتى مضت عدة ايام، فَخَلُّوا سَبِيلَه.

اما الملك كُلَيْب فانشغل بسن القوانين، فـ فَرَضَ الْأُجْرَة على الصيد والمراعي ! فـرَفَضَ بنو تَيْمِ وبنو بكر بن عَبْد مَنَاة ، لأن المراعي من ممتلكاتهم.

فدخل الحارث بن عَبّاد اليشكري على الملك كُلَيْب في عَرْشِهِ، يحذره من العواقب، وقال له (لا كرامة لملك لا تَعنيه كَرامة رعيته)

وكان عمرو بن مالك الدؤلي (زوج الْبَسوس) يملك مزرعة في السَّرَاة، فحرَّضَت الْبَسوس ابن اختها جساس على قَتْل كُلَيْب.

في هذه الاثناء كان أَبْرَهَة في الحَبَشَة هائم بلا عمل، حتى أَتَاه عَتّوْدّة يَزُفُّ اليه بُشرى مَقْتَل كُلَيْب ، فَخَطَرَتْ له فكرة الانتقام، فدخلَ على النجاشي وأَخْبَرَه عن حملة لهدم الكعبة.

قَدَحَتْ شرارة حرب الْبَسوس، بين بنو عَبْدمَنَاة وبنو تَغْلِب، فيما امتنع نَفيْل بْنِ حَبِيب الأكلبي وِالحارث بن عَبّاد عن المشاركة، و اِنشَغَلا بالاستعداد لقِتَال أَبْرَهَة، وقال ابن عَبّاد لبنو عَبْدمَنَاة وبنو تَغْلِب (قِتَالُنا للْأَحْبَاش خَيْرٌ من قِتَالُنا لأَهْلِنا).

كان جيش الْأَحْبَاش يبلغ 50 الف، فَجَهَّزَ نَفيْل بْنِ حَبِيب الجيش، حتى حين تَقَدَّمَ أَبْرَهَة بأرض السَّرَاة ، فقال :

أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ .. وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ ذاهبْ

والحَبَشِيُ هـاربْ .. والتغلبيُ غالــبْ

اعْتَرَضَ نَفيْل لجيش أَبْرَهَة بفرسان ربيعة (عددهم 7 الاف) فَقَاتَلُوهُمْ ودارت بينهم معركة طاحنة لم تشهد العرب مثلها، حيث التف فرسان بنو يشكر بقيادة الحارث بن عَبّاد على مؤخرة جيش الْأَحْبَاش وقَتَلُوا منهم مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. وتمكن الحارث بن عَبّاد من قَتْل اكثر من 150 حَبَشِي، وتكسرت في يده 10 اسياف.

قُتِلَ من الْأَحْبَاش اكثر من 17 الف، وجُرِح اكثر من 10 الاف، واُسْتُشْهِد من ربيعة نَحْو  2000 وجُرِح نَحْو 100، وانهزم أَبْرَهَة في (هِرْجَاب) فصاح عَتّوْدّة بالجيش ليتراجعوا، فانسحبوا وعَسْكَرُوا في نجران 40 ليلة، يعيدون ترتيب الجيش.

ثم اتَّجَهَ أَبْرَهَة شرقاً فأعترض له ذي نَفر الازدي بجَيْشه في (تربة) فقاتلهم، وانتصر أَبْرَهَة وأخذ ذي نَفر أسيرا فقال (أيها الامير لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب (وكان أَبْرَهَة حليماً وصبورا) فَخَرَجَ مَعَهُ حتى يَدُلُّهُ على الكعبة ولكن ذي نَفر اتَّجَه به الى الطائف حتى لا يذهب الى الكعبة، فخرج إليه اهل الطائف بسُيُوفَهُمْ و أَخْبَرُوهُ ان الكعبة ليست عندهم.

مضى أَبْرَهَة الى بطن مكة وفي الطريق قُتِلَ أبو رِغَالٍ الحَبَشِي بسهم المغيرة المخزومي، فدفنوه هناك، وعَسْكَر أَبْرَهَة في الْمُغَمِّسِ، ثم بعث (ابا جهل ابن مقصود) على رأس كتيبة فاستاقوا انعام مكة وفيها خَيْل عَبْدِالْمُطَّلِب، ثم دَخَلُوا بطن مكة ليلاً، حتى طلع الفجر فصعد الراعي حنظلة الغنوي نذيراً الى الصفا فصاح (واصَباحَاه) ثم أَخْبَر الناس بدخول الْأَحْبَاش، فخرج عَبْدِالْمُطَّلِب ومعه شقيقهُ عكرمة، وتوجهوا إلى أَبْرَهَة.

فقال حَنَاطَة (أيها الامير هذا سَيِّدُ قريش وهو صاحب الحرم) فلما رآه أبرهة أَجَلَّهُ ، ثم قال (ما حَاجَتُكَ ؟) فقال (حَاجَتِي أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ خَيْل أصبتها لي) فقال ابرهة (كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَني، أَتُكَلِّمُني فِي خَيْل ! وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ) فقال عَبْدِالْمُطَّلِب (أَنَا رَبُّ الخَيْل و لِلْبَيْتِ رَبًّا يحميه).

فخرج عَبْدِالْمُطَّلِب و مر بمعسكر فيه ذي نَفر فقال له (يا ذا نَفر هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا ؟) فقال ذو نَفر (وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ امير) فقال عكرمة بن هاشم  :

اللهم أخزِ أَبْرَهَة الحسودْ .. و اصْرِفْ عَنَّا فِيلَهُ محمودْ

والمدعو فيهم ابا جهل ابن مقصودْ .. و عَتّوْدّة وحَنَاطَة والجنودْ

فَضَمَّهَم إِلَى طَمَاطِمٍ سودْ .. و أَخْفِرْهُم يا ربنا المعبودْ

أنصرف عَبْدِالْمُطَّلِب إلى قريش وأمرهم بالخروج من بكة وَالتَّحَرُّزِ فِي شَعَفِ الجِبَالِ وَالشِّعَاب، ثم أَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وقال :

يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا .. يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا

فأقبل الامير حمزة النمر بفرسان من بنو نمر وبنو عبد شمس وفيهم حَرْب بْنِ أُمَيَّة وبنو مَخْزُوم وفيهم المغيرة وهجموا على جيش أَبْرَهَة، ودارت بينهم معركة اُسْتُشْهِد فيها 77 من العرب، وقُتِلَ اكثر من 270 من الْأَحْبَاش.

و جُرِح المغيرة المخزومي في كَتِفَه، فقال :   

اللهم انْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ وَعَابِدِيهِ .. آلَكْ

عَمَدُوا حِمَاكَ بجَهْلِهِمْ ..وَمَا رَقَبُوا جَلَالَكْ

إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَقِبْلَتَنَا .. فشيء مَا بَدَا لَكْ

ابرهة

وجَّهَ الْأَحْبَاش الفيل الى الكعبة فاستدار ناحية اليمن، فوَجَّهُوه ناحية الكعبة فاستدار ناحية الشام، فأقبل نَفيل الأكلبي على فَرَسِه مسرعاً بجيش من ربيعة، فَوَثَبَ إلى الفيل فمَسَحَ عليه وقال (اُبْرُكْ مَحْمُودُ وَارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بيت اللَّهِ الْحَرَامِ) فَبَرَكَ الْفِيل، فَضَرَبَهُ الْأَحْبَاش لِيَقُومَ فَأَبَى.

فأحاط حَنَاطَة و ابا جهل بنَفيْل، فَالْتَفَّ نَفيْل وتَبَارَزَ معهم و صَارَعَهُم، فقَتَلَ حَنَاطَة بالرمح، فَقَفَزَ ابا جهل نَحْو نَفيْل، فجَرَحهُ نَفيْل في جنبه ثم قَتَلَهُ بالرمح. 

فَهَجم عَتّوْدّة على نَفيْل، وتصارع معه مصارعة قوية، فتَغَلَّبَ نَفيْل على عَتّوْدّة وَقَتَلَه، فصاح أَبْرَهَة لجنوده ليقتلوا نَفيْل، فتَحَلَّقَ الْأَحْبَاش بنَفيْل، فأنطلق ابو نُوَيْرَةَ الأكلبي يضرب الْأَحْبَاش بسَيْفِه، فأمطر فرسان ربيعة الْأَحْبَاش بوابل من السِهَام، فسقط اكثر من 50 قَتِيلًا، ثم امتطى نَفيْل فَرَسِه وأخذَ يضرب الْأَحْبَاش بسَيْفِه، فأتت اسراب الطيور من ناحية الْبَحْر، فخرج نَفيْل مسرعاً على فَرَسِه حتى صَعِدَ الْجَبَل.

فَغَطَّتْ اسراب الطيور سماء بكة، وكانت أَمْثَالَ الْخَطَاطِيف، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلَّا هَلَكْ، فهربوا يسألون من يَدُلّهُمْ على مخرج، فقال ذي نَفر :

حَمِدْتُ اللَّهَ إذْ أَبْصَرْتُ طَيْرًا .. وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا

وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ ذي نَفر .. كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحْبْشَانِ دَيْنَا

فانقشعت الطيور باتجاه الْبَحْر، فتَجَمهَرَ بنو قريش عند الحرم، فقال عَبْدِالْمُطَّلِب (إِنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ بِأَرْضِنَا ! وَمَا هِيَ بِنَجْدِيَّةٍ وَلَا تِهَامِيَّةٍ ، إِنَّهَا أَشْبَاهُ الْيَعَاسِيب).

ظل الْأَحْبَاش يَحْمِلُونَ أَبْرَهَة حتى وصلوا ساحل اليمن يريدون ركوب السفينة، فمات أَبْرَهَة فدفنوه هناك. وعادوا الى الحَبَشَة و أَخْبَرُوا النجاشي بما حدث، فأصبح للعرب في نُفُوس أهل الحَبَشَة تَقْدِيسٌ خَاصْ، و باتوا يعتبرونهم (أَهْلَ اللَّه) الذين يتمتعون بالحماية الإلهية.